|
.....................................................................................................................................
|
واقعيته متخيلة:
حسن حداد يقيم في مزاج
حواسه الرائق
فاروق يوسف
2011-07-19
|
|
في
المسافة ما بين معنى أن نرسم ومعنى ما نرسم يعترض
الرسم طريقنا باعتباره
هدفا لا يمكننا الاستغناء عنه من أجل فهم ما يجري لنا. حسن
حداد (رسام
عراقي يقيم في لايبزك ـ المانيا) لا يستغني عن الواقعة البصرية وهو يحاول
القبض على نبوءة ما.
شيء ما يقع بين ثنيات الواقعة البصرية. شعوره بأن
هناك ما يحدث في الخفاء يدفعه إلى مزج حدسه التصويري
بمفردات مستلهمة من
خزانته المعرفية. يعرف أن في إمكان عينه التي ترى أن تهيىء
له مادة للتأمل،
غير أن تلك المادة تظل صامتة مثل أصباغه. ما يهمه حقا أن
يقع الرسم، فاصلة
بين زمنين: زمن الواقعة وزمن الحقيقة. في رسومه يقتفي الرسم
أثر عزلته: واقعة متخيلة
تستسلم لمزاج يد تجرب اللعب بالأصباغ كما لو أنها تتعرف عليها
للتو، جاهزة لتتخطى ما تراه. هذا الرسام ينشط خيال
عينيه مرتين: مرة حين
ينظر إلى موضوعه مباشرة ومرة ثانية حين يسعى إلى محاكاة
صورة خيالية لا
تسعى الى الشبه. محاكاة تتقصى السر ولا تحرص على المظهر
كثيرا. علينا أن
نصدق الصورة لكن في المقابل علينا أيضا أن نصدق خيالها
المتمرد.
يكتب
حداد يومياته من خلال الرسم. يوميات الغريب الذي يكتشف
عالما عاكفا على
عزلاته. في هذه الحالة يحتاج المرء إلى لغة مختلفة. لغة لا
تكتفي بالوصف،
بل تتجاوزه إلى التماهي مع ألم يجاوره. ليست نظرة الغريب التي يلقيها
الرسام مفخخة بالحنين بقدر ما تعبر عن رغبة
استفهامية تنطوي على فكرة
مغايرة عن واقع، صار بمثابة ماض. مع هذا الرسام لن يكون
الرسم مجرد بداهة
واقعية. ففي لحظة الرسم يكون الرسام حاضرا بقوة بحثه عن
المصير. 'أنا هنا
لكي أكون موجودا في الصورة، من خلالها، وفي بعدها التخيلي'.
يومياته
البصرية هي تمارينه التي يؤكد من خلالها قدرته على مقاومة المحو. وهي
مقاومة يمكنها أن تختصرسبل العيش الجديد كلها. وكما
فعل غويا من قبل يشير
حسن حداد إلى محنته: كائنا يبحث عن معنى شخصي وسط ركام
المنسيات. لا يكتفي
بما يرى بل يعنيه أن يكون موجودا في طريقة النظر إلى رسومه.
هو الكائن الذي
لا ينجده أحد. الغريب الذي لا يثق أحد فيه. لن تكون طريقته
في النظر تقنية
عابرة، بقدر تؤسس تلك الطريقة لفكرته عن وجود ينشأ خارج
جسده. حين ينحرف
الرسام بالوقائع في اتجاه حدسه فانه لا يخون عينه بقدر ما
يحاول أن يكون
أمينا لأسئلة تلك العين الحائرة.
أكلُ هذا من أجل لحظة عيش غير مؤكدة؟
تتساءل الصورة ومن بعدها المتلقي. يهمنا أن نصطحب
المفهوم الى خلاصاته. هناك
حيث تتشظى المعاني. لذلك لا يرسم حداد مشهدا ثابتا ولا تاما. وهو ما
كان جليا أكثر في رسومه عن الحرب الذي تركت بلاده
حطاما. في كل جزء من تلك
الرسوم هنالك قسوة تلاحق بشرا منسيين، ملقى بهم خارج
التاريخ. غير أن
الرسام لا يتخلى عن حدسه: هناك شيء ما يحدث في الخفاء. لا
يستثني الشقاء
أحدا. الطبيعة هي الأخرى تتألم. الصورة وهي تشقى خرافة كل يوم. يتوقع المرء
أن يتعرف على جثته وسط ذلك الركام البشري فيتساءل:
'أتراني كنت هناك
دائما؟ ما معنى العيش إذاً؟' فيما يتساءل الرسام: 'ما معنى
الرسم في
اللحظات العصيبة؟'
هناك صور، غير أنها تحقق تأثيرها الماحق بالرسم ومن
غيره. أهذا يكفي؟ حداد وهو ابن صنعته الخيالية يرى
الى الصورة كونها الخطوة
الأولى التي يبدأ فيها طريق الحقيقة. تلك الصور القادمة من
بلاده تيسر له
أن يمزج هلاكه الشخصي بهلاك بلاد لم يعد التعرف عليها نوعا من البداهة.
ينجح الرسام من خلال سلسلة من الهذيانات البصرية
المتلاحقة في الوصول إلى
أعماق الصورة ليرى ويُرينا بلادا تقيم على حافة القيامة
تشبهه في غربته. إن
مبدأ تفكيك الصورة الذي أتبعه الرسام ينطوي على رغبة في
تأليف عالم صوري
هو مزيج من عالمين تعبيريين: عالم الصورة لذاتها وعالم
يستخرجه الرسام من
أعماق فكرته عن الرسم، سلوكا ارتجاليا يهب الصورة خيال
مصيرها.
يمكن أن
يُدرج أسلوب حسن حداد في الرسم ضمن تيار الواقعية النقدية.
وهو تيار فني
ينافس التعبيرية في التلصص على عالم الادب. سيكون علينا إذاً دائما أن نبحث
عن المعاني، إذا لم نتعثر بها في طريقنا إلى فهم ما
يجري من حولنا. يؤلف
هذا الرسام مشاهده من مزيج غير متجانس من الرؤى. رؤى بصرية
لا تكتفي بما
تلقيه علينا من تجليات شكلية، بل وأيضا بما ينتج عنها من أفكار ومعان. وإذ
تتجاور تلك الرؤى فان أي واحد منها لا يظهر أي نوع
من الانجذاب إلى ما يحيط
به. عوالم منفصلة، بعضها عن البعض الآخر، يتملس حداد من
خلال عكوفها على
تفاصيلها الطريق إلى فكرته عن عالم معيش صار يتوزع بين
أضداده: الظاهر
والباطن. الواقعي والمتخيل. المسالم والعنيف. المؤقت
والأبدي. عجينة أصباغه
تظل مشدودة إلى خلاصة لا تعرف طريقها دائما إلى السطح
التصويري. تعلم هذا
الرسام أن لا يثق بما يراه. لنقل انه يختبر ما يراه بعين
نقدية يغلب عليها
الشك. تظل الواقعة رهينة لما لا يظهر منها. لذلك تبدو رسوم
حداد كما لو
أنها تقتفي أثر خيال تلك الواقعة. وما ذلك المسعى إلا تعبيرا عن الحيرة
التي تظلل الواقعة، اية واقعة من جهة صلتها
بالحقيقة. فهل صار الواقع يحلم
أم أن الحقيقة هي التي صارت تخرج رأسها من بين الأوهام؟
لا يخفي حسن
حداد قلق يده في مواجهة ما لم يرسم بعد. شيء ناقص
يظل عاكفا على خوائه
التعبيري. وهو ما يفسر اصرار الرسام على أن يترك مساحات من
لوحاته كما لو
أنها لم تكتمل بعد. تذكرنا تلك المساحات بعجزنا المزدوج في التعبير وفي
التلقي. وهو عجز لا ينفصل عن غموض المادة التي
نستخرج منها حكاياتنا.
بالنسبة
لهذا الرسام، وإن كان شديد التعلق بالمعنى، فان الرسم لن
يكون الطريقة
المثلى لقول كل شيء. ربما لان نعيم الجمال من شأنه أن يخفف من جحيم
المعاني. ربما لأن الحواس وهي خلوتها تكون في مزاج
رائق، بحيث يحق لها أن
تتفادى المرور بالمعدن لصلب الذي تتكون منه التجربة. حسن
حداد يمس ذلك
المعدن برقة فلا يخدشه. تنزلق عليه نظرته لتطوق حساسيته بحنانها من غير أن
تغوص في وديان شقائه.
هذا رسام يسعى إلى انقاذ الرسم من بؤس المعاني
الواقعية.
|
.............................................................................................................................................................
المكان في
اعمال الفنان حسن حداد
كائن لوحده
علي النجار السويد 2007-02-12
إن
كان المكان يتلبسنا حنينيا للبيئة الأولى , فان محاولات التشكيلي
العراقي حسن حداد والذي استقر في مدينة لايبزك الألمانية منذ عام (
1998 ) تفسر بعض من ولعه المكاني, المكان الأفقي بمساحته البانارومية ,
افق مدينة منشأه (بلد) بمساحاتها الريفية المفتوحة, تحول في عمله (
مكان جريمة ) الذي انتجه عام ( 2002 )الى
افق مستطيل يشاغب دراما الفناء بمؤثرات استرجاعية لكوارث ازمنة الفناء
العراقية التي حمل ندوبها الغائرة في عمق ذاته المهاجرة. خصائص هذا
العمل تأسست ضمن بحثه لتأصيل واقعية ادائية غالبا ما تبقى محافظة على
علاقة جدلية بسطح القماشة, في نفس الوقت الذي تؤكد فيه على التفاصيل
العامة للبيئته والشخوص, كذلك تحاول ان تجد حلولا ولو بايحاءات ضبابية
للعمق المنظوري موازية بعض الشئ لحلول المخطوطات الشرقية, وبالخصوص في
مجال توزيع الكتل, وهي واضحة بنسبة ما في هذا العمل او العمل الاخر
الذي انتجه في نفس العام والمعنون ( حظر تجول),
فرغم مما يبدو
على هذا العمل من اختلافات ظاهرية , مثل تحول تفاصيل العنف المرسومة
الى تفاصيل اكثر واقعية واثارة في الأخير, مبعثها حدة وعنف مفردات بيئة
الحدث العراقي بجغرافية كارثيته, الا ان الخصائص التشكيلية من ملونة
ومؤثرات تكنيكية لا تزال تبدو متقاربة بعض الشئ, وما الفارق الا في
استحضار الرمز او ما يوازيه من حدث.
ان كان
اهتمام حسن حداد بالمكان طاغيا, فان اهتمامه بتفاصيل حدث المكان
والزمان هو الاخر طاغيا في اعماله التي اود ان اسميها عراقية (بالذات
تلك الأعمال التي عالجت الهم العراقي وتداعياته من خارج منطقة الحدث,
لأنتقال سكنه الى اوربا). ففي عمله ( مكان
جريمة) الذي تناولناه في المقطع الأول. اشتغل على الرمز. والرمز في
الأعمال العراقية الحديثة, وجدانيا عاطفي الدلالة ومشحونا بالقسوة التي
تبلغ احيانا انتهاك الجسد. والجسد في هذا العمل هو الثور الذي كثرت
سكاكينه. والغريب في هذا العمل وجود هيكل الشجرة كحاجزا لمقطعي العمل
المستطيل. حضور الشجرة هنا يذكرنا بحضوره في رسومات ادم وحواء
الكلاسيكية. نفس الحضور الملتبس بنوايا او نوازع الشر الخفية المنذرة
بكارثة محتملة, رغم امكانية وجودها كأحتماء من الشر نفسه. في هذه
الفترة اكتسبت اعمال الفنان ابعادا اكثر واقعية, ربما تحت تاثير البيئة
الثقافية الجديدة, ربما لأن الحدث تعدى مرحلة الرمز الى تفاصيل الواقع
الصادم, ربما لأسترجاعات زمن العسكرية التي خاض غمارها حاله حال اقرانه
في العراق. المهم ان هذا العمل حمل بصمة تكنيكية بتفاصيل اكثر واقعية
ومحلية. ورغم ما يبدو من مقاربات لونية او اسلوبية ايحائية. لكنه وبكل
تأكيد اسس للفنان كشفا تشكيليا جديدا. ونحن نعلم ان الجدة التشكيلية
لا تعني احيانا انقلابا كاملا على مفردات التشكيلي وبالذات الشرقي.
لكنها تحدث على شكل ازاحات هنا واظافات هناك. وان كان ثم مقاربة بين
هذين العملين, فانها تكمن في مظهر استطالتهما الأفقية ومنحى
مفرداتهما البانارومية من خلال اعتماد اللقطات التصويرية المتتابعة او
المتجاورة والتي استفاد منها كثيرا في اعماله الأخرى, لقطات تصويرية لا
تخفي انتمائها الى جغرافيا بلده الأصلي العراق , وبمرجعية تفاصيلها
واستطالة افقها الموازي لأفق بيئة منشأه . بالرغم من مسحة تأثيرات
الوسط البيئي الجديد.
رغم ان
الهاجس الأفقي لم يبرح مخيلة حسن حداد وبالذات في تنفيذه للأعمال
العراقية, مثلما هو واضح في عمله الأخر(
** ) الذي نفذه في عام ( 2003 ). الا
ان تحول بحثه عموديا, كان نتيجة اختراق مكونات البيئته المدنية
الأوربية الجديدة. بيئة الشوارع وتقاطعاتها, الأنفاق وتراكمات طبقاتها
المغلقة والمفتوحة. الأناس وهامش الفراغات التي تتحكم بوجدانيتهم (
تراكم العزلة العمودية), الأفق المتوحد الصاعد, افق لا يتقاطع مع
الأخرين الا بالحدود الدنيا. وأفق كهذا تخترقه السلالم والأنفاق يبقى
مرهونا بتقطيع اوصال لحضاته تباعديا وليس تجاوريا. وان لم تختفي السمة
الأفقية بعد ذلك من اعمال الفنان, الا انها لم تستطع مقاومة هاجسها
العمودي الذي اصبح سمة مفرداته بتشكيلايها العمودية المتجاورة وحتى ضمن
استطالة اعمله الأفقية
عالم
المدينة المكتض بتفاصيل ابنيته ومركبات شوارعه وعجلة اناسه وزواياه
العلنية والخفية, ترشحت تفاصيله اختزالا للحد الذي ابقى على تماسك
هشاشة مكوناته من خلال الأحاطة على اهم نقاط ادراكه ككل قابل للأدراك
بمجمله ملمسا واياهاما في نفس الوقت, ومن خلال اطياف الملونة السحرية
المختزلة. اختزالات تؤسس للمساحة والكتلة وبانزياحات متجاورة للعتمة
والضوء تتجانس وايحاءات البرودة والدفء, مثلما تخترق الكتل الأنسانية
المتقاربة اوالمعزولة او الضائعة وسط فضائاتها الأسفلتية. فان كان ساكن
المدينة هنا رقما.فقد اشتغل حسن على ضياع هذه المدونة الرقمية او
انحلالها ضمن جذر المدينة, الرقم الأكبر, الغامض والمشوش في نفس الوقت.
وان كان اناسه يبدون هامشيين في معظم الأحيان, الا ان محاولة تجنيسهم
انسانيا تبقى في حدود بعض نوايا الألفة القليلة لمعمري المدن. اذا بحث
الفنان من خلال اعماله الفنية وكلما تقدم, تنصب على ايجاد معادل لمحيط
بيئة مكتضة ومفرغة في واحد, وباحساس من ان وجوده في وسطهم شكله رقما
مضافا.
ربما
مصدر عتمة اعمال حسن العرااقية تكمن في سوداوية او عتمة ملونتها. وهي
لا تبتعد في معظم الأحيان عن عتمة ملونة مجايليه في العراق. عتمة مغرقة
بتفاصيل تراكمات خشنة المظهر. وان تكن تجريبية في اكثرها, الا ان اللون
يبقى عنصرا موصولا بالنفس وبالظرف المعاش. وتدريجيا تخلت اعماله غن
عتمتها لصالح ملونة اكثر اشراقا, ليست بعموميتها, بل بسبب من مناطقها
المفرغة بضبابيتها المضيئة والتي تسبغ على مجمل العمل نضارته الرمادية
المحببة. ملونته الحيادية الجديدة, مدركة لفاعلية ادائها المتوازية
وتفاصيل العمل البيئية. ضبابية افقدت الشخوص ملامحها الواضحة في معظم
الأعمال,مما اكسبها عمومية هي جزء من ثيمة عمومية أناس المدن الحديثة,
بالوقت الذي بدت هيكلية الأجساد اكثر وضوحا ودلالة لهيمنة حركيتها ضمن
وسطها, سواء استرخاءا, او توترا مشدودا لأنجاز فعل ما. وبنفس الطريقة
التي ينفذ بها هيكلية اناسه المرسومة, ينفذ تفاصيل اعماله الأخرى.
فالجدار اوالرصيف او السلالم او البناية او الأفق وبقية التفاصيل
الأخرى, تخضع جميعا لمعالجاته المكثفة او المختزلة بحدود ما يراه
مناسبا من تفاصيل تؤكد على هوية بيئة او محيط كادر لقطة صورة الرسم
الواقعية التفاصيل, والتي ترشحت عبر مختبره الواعي لوسائل التنفيذ
والأخراج. وضمن وسط فني عريق ومثقل بأساليب المختبر التشكيلي الواقعي
التفاصيل والأكثر وجدانيا من عموم اوربا. ذلك هوالوسط التشكيلي
الألماني. ادراك المجازفة بهكذا اساليب ضمن هذا الوسط, والذي استساغها,
يعد مكسبا للفنان, ويؤشر على جدية بحثه.
في
محاولة لقراءة منجز حسن حداد وبالذات المتاخر منه ( مابين عام 2002 الى
الان), نجد ان محاولاته تكثفت حول اخراج اعماله بصيغ تحاول تفسير بيئته
الجديده, ليس بمستجدات البحث التشكيلي المشهدي الجديد الذي يوظف نزعة
ما بعد المعاصرة الرقمية التخيلية, او الفنطازية التجريبية بموادها
الغريبة والمشاعة. وانما بالوسيلة التي يعرفها جيدا والتي تدرب عليها
طويلا. فعمله الواقعي, والذي يحلو لي ان اسميه الواقعي لما يبثه من
تفاصيل مجتزأة من الواقع المعاش والمحيط ببيئته. يمارس في واقعيته هذه
نوعا من الأداء السهل الممتنع. فبقدر ما تبدو شخوصه صلدة, فانها تبدو
ايضا هشة. والصلابة هي عنصر من عناصر معمار المدينة, اما الهشاشة فهي
عنصر من عناصر الذات المتشضية وسط زحمة المدن, رقما غامضا بين ملايين
الأرقام. هذا الجمع الأيحائي بين الصلادة والهشاشة هو ايضا عنصر من
عناصر مكوناتنا الشرقية الوجدانية, اذ اننا وبكل ما نتمتع به بعض
الأحيان من صلابة مظهرية, نكون ايضا سريعي العطب لسبب من هشاشة وجدانية
موروثة معظمها. ربما هذه الهشاشة العاطفية والتي يحلو لنا ان نسميها
رقة, لا تزال تتحكم بلا وعي الفنان وقت انجازه عمله. فنحن على كل حال
لا نعرف احيانا مصادر مؤثراتنا الحسية. والتلوين هي حرفة الرسام الأكثر
غواية والأعمق سرية. وما رسومات حسن الا نوعا من التدوين اليومي لمسارب
الحياة المألوفة, وبحس وجداني ينكشف غموضه احيانا بما ييسره لنا من
مجال المعاينة العلنية لمفرداته التي غالبا ما تتقابل حالاتها وذاته
الباحثة عن مكان امن لها. وان وجد المكان كما يعتقد, فانه لا يزال
يستحضره ضمن فعل وجداني هو اقرب الى العبادة.
الأفق
المفقود في فضاء المدن, او المتشضي من خلال النادر من فرجة ما في بعض
فضائاتها, يتلبس نبضها الحركي الديناميكي ويكسبه ملمحا دراماتيكيا, ليس
انبساطيا في معظمه. يضيع هذا الأنطباع دائما وسط حركية حشودها البشرية
والالية التي تسلبه ثقله, ووسط استلابات مغريات الصناعة الصورية
المتوهجة. لكنه يبقى عصيا على الذوات المتفردة, والتي هي نتاج مدني صرف
ومتولد باستمرار. افتقاد ملمح الأفق (الأفقي) اسس للهاجس الصاعد
(العمودي). وفي اعمال الحداد (الألمانية) يتجلى وضوح ذلك. ليس بعمودية
ابعاد العمل, وان توفر ذلك في بعضها. لكن بعمودية تفاصيلها المحورية ,
سواء شخوصية او هيكلية. ولنا مثلا في ثلاثة اعمال مختارة من مجمل
اعماله التاخرة بعض الشئ.
العمل
الاول الذي انتجه في عام( 2004 ) والمعنون (زلق).
اظافة لتوكيده على فردانية شخصه المتوحد وزلق مساحة الرصيف المتشضي
بتعامدات انعكاسات الواجهة الزجاجية المتعامدة. ورغم قزحية وحساسية
الملونة, الا انها لا تؤدي ولو بشكل خفي الى الغاء هاجس التفرد او
الوجل الذي يلف هذه الشخصية المتفردة. اما الهاجس الخفي الاخر فيبرز
في امكانية خلاص هذه الفتاة المتوحدة ليس باختراق فضائها افقيا, بل
باحتمال خلاصها صعدا ضمن الحركة التعامدية الصاعدة للظلال والكتل
العمودية التي سطرت على امتداد هذا العمل.
العمل
الثاني والمعنون ( بعد المطر ) والمنتج
عام ( 2005 ). رغم ما يبدو عليه من احالة لملمح اعماله العراقية التي
نوهنا عنها, الا ان سطوة هاجس الأندفاع الى الأعلى تسكن موتيفاته
الثلاث المتجاورة, و ليس من تنافذ بينهما, الا في الظاهر من ايحاءات
جوها القزحي العام, الذي صاغته عمومية الطقس بمصدرها الفضائي. اما عمله
الثالث ( إشراق )2004 .فهو الأكثر
افصاحا. كونه يجمع فضائين, او انشائين معماريين, هما في الحقيقة انشاء
واحد بلقطة متجاورة. يدل ظاهرهما على اختراقهما العمق بعدا ثالثا. في
نفس الوقت الذي لا يمكن من تجاهل مسارات الضوء او الكتل الصاعدة كهرم
اومثلث يفرض وجوده يقوة انشائية متصادمة وابعاد العمل الأريعة. رغم ولع
الفنان في طمس ملامح اناس مدينته, لكنه لم يستطيع تجاوز هيمنة فضائها
المعماري الا بقدر ما تسمح له ادوات صنعته. واخيرا يبقى السحر كامنا في
عمومية اعمال حسن الحداد, عمومية لا تلغي المسحة الأنسانية, بنفس القدر
الذي لا تلغي به سمة المدينة العمومية السرية منها والعلنية.
..............................................................................................................................................................
**(D.Day)
- حسن حداد : ولد في مدينة بلد-العراق1962 تخرج من اكاديمية
الفنون الجميلةـ بغداد1986
قسم التصميم الطباعي استقر
في مدينة لايبزك الألمانية في عام ( 1998 ) واسس فيها مرسمه الخاص .
اختير ضمن موسوعة الفن الألماني- النمساوي-السويسري لعام( 2005 ـ2006), ساهم في معارض تشكيلية المانية وغيرها,
واقام معارض شخصية داخل المانيا
.....................................................................................................................................
قراءة
تشكيلية
ناقصة
صبري
هاشم
*
بعد أنْ تقطعَ شارعَ شْبِنْراي لهاثاً ، لا تفترضْ
الوصول فسلالم المبنى التي بانتظارك ستأخذك إلى سماء مزدحمةِ الأفكارِ
، الألوان ، المواضيع ووجه الفنان التشكيلي حسن حداد ( مواليد 1962 ) ،
المبادر :
لا تسألْني ، لقد تأثرتُ وليس في الأمر سرّ : بيكاسو ،
رامبرانت بالدرجة الأساسية ، وآخرون .
كيف ؟ وهناك مسافة بين الواحتين / المدرستين ومسافة
مهمة يقطعها ببصره الحاد من باب التكعيبية حتى أريكة الأنخاب المجيدة
في مقهى رامبرانت .
موضوعاتٌ شتّى تتخطفك ، تستدرجك إلى مواقع مجهولة
فتراودك أحلام ، كوابيس ، مفاجآت حياة مزهوة بنبضها الرمزي والواقعي ،
وغيوم من تهويمات لونية مختلفة تدخلك في الدهشة .
لكن جميع الموضوعات ، على حدّة تناقضاتها ، مشدودة إلى
حركة فرشاة خالقها التي تستوقفك هنا وتأسرك هناك ويستحوذ عليك شعور
بالحيرة في بعض الأماكن .
(
مكان جريمة 120سم
×
280سم
) وهي زيت على القماش ، يصدمك طقسها الدموي البارد إذا جاز التعبير .
ذَبْحُ ثورٍ بلا دماء ! والمسيل هو ليس اللون الأحمر وإنما كتلة بيضاء
.. شلال منسكب دفعة واحدة :
في مكان قتلي وجدوا غيمةً بيضاء
أو هي همسةٌ من ندفِ الثلجِ ..
تلف روحي
أثناء لحظة القراءة ، التي ربما تطول أو تقصر تبعاً
لقوّة الصدمة ، نسكن فضاء اللوحة الذي هو مجموع أمكنة الأحداث والتي
تبدو مترابطة بصورة مذهلة .
مكان الجريمة محجوز بشريط من النايلون الأبيض والأحمر (
بالمناسبة هذا هو اللون الأحمر الوحيد الداخل في بناء اللوحة )
المستخدم عادة في تحديد أماكن الأشغال والحفريات عند الطرقات ومواقع
البناء لتنبيه العامة على وجودها وكذلك لإحاطة مكان الجريمة. في المكان
، داخل الحاجز نقرأ بشراً بلا ملامح يشدّون قوائم حيوان بطريقة محايدة
حيث لا يستطيع المتلقي أن يجزم هل كان القتل يجري بأعصاب هادئة أم
متوترة ؟ حيث لا تعابير ولا إشارات وعلى المتلقي أن يقترب من الصواب .
أما الشخص الثالث حامل السكين ، الجزّار ، فيبدو متوترا نسبياً أو هو
في حالة من اللانسجام حيث يغرس مديته في كتلة البياض وكأنه يشير إلى
فعلته .
خارج الحاجز أي في الضفّة الأضعف نقرأ ، في مكان ثانٍ ،
شجرةً على يمين اللوحة ترفع يديها نحو السماء ربما في عويل طويل ،
وخلفها تتوارى أشباح آدمية مرتعدة هي شهود إثبات على ما يحدث وبحذر
تسترق النظر . على مبعدة من مكان الجريمة من جهة اليسار وهذا مكان
ثالث للقراءة ، يطل شبح المصور بعدسته من خلال أفقٍ رصاصي وقناع ، انه
الموثق الذي لا يقبل الشك ، لا يقبل التأويلات ، لا يقبل الإضافات
والقطوعات .
لقد حرص الفنان على ترك تلك الفسحة الرصاصية الكبيرة
كخلفية للوحة التي استغل فضاءها ثلاثةُ أمكنة رئيسية ووزعها بدقة حتى
كادت أنْ تكونَ أفقاً للتأمل أو للضباب الذي يلتهم كلَّ شيء بما في ذلك
اطلالة المدن التي تتراءى كأماكن مهمشة لا تشغل حيزاً مهماً في فضاء
العمل الفني .
لقد وضعنا الفنان ما بين تلاوة الإيحاء وصمت التصريح
وطالبنا بقراءة متأنية لا متعسفة لعمل نختطف منه ألوان البوح التي لا
تسعف ولا تروي المتلقي السلبي بحكم الهيمنة الطاغية لألوان مثل الكاكي
والرمادي وقد استعملت بدرجات ونسب متفاوتة .
في الواقع تسيدت الكثافات اللونية أجواء اللوحة رغم
الرشقات الخفيفة للرماد . ولكي نلم بأجزاء العمل لابدّ من جمع كل
الأمكنة في فضاء مكبر والنظر إليه برؤية نافذة و طاقة تأملية تمنح أكبر
فرصة للقراءة .
مكان الجريمة كجزء من لوحة ، تحمل نفس الاسم ، لها فضاء
أوسع جرى توظيفه برشاقة استعارية في ثلاثية الحرب "
D-Day
" ، زيت على القماش وهي عبارة عن ثلاثة أجزاء والجزء الرئيسي منها
(139سم × 200سم ) ، وهو المقصود هنا ، هو الذي تحمّل هذه المفردة
المستعارة بشي من التجريد حيث تظهر ألوان أخرى غير التي صدمتنا في
الأصل وإنما نشأ اللون الوردي خجولا ليحتلَّ أكبر قدر من مساحة هذا
الجزء كذلك اللون الأبيض كأنه يسفر عن برودته . فبدت كخلفية لمكان
اجتماع أو مؤتمر أو ما شابه ذلك بالإضافة إلى اختفاء شبح المصور وعدسته
وكأن الفنان يريد القول إنّ كلّ شيء يجري في العلن ولا ضرورة للتوثيق
طالما الذاكرة الجمعية ستبقى حيةً .
*
شاعر
وروائي من العراق/ برلين
...................................................................................................................................
<
|